أزمة 1985 الأكبر في تاريخ الأهلي "الحلقة الثالثة"

 أزمة 1985 الأكبر في تاريخ الأهلي "الحلقة الثالثة"

تناولنا في العدد السابق تداعيات أزمة 1985 وأسبابها وأبطالها، تحدثنا عن محمود الجوهري وتاريخه الحافل قبل أن يتولى تدريب النادي الأهلي، تحدثنا عن سبب الأزمة لاعب الأهلي السابق محمد عباس، وتوقفنا عند تقديم محمود الجوهري لاستقالته من مسئولية تدريب الفريق الأول بالنادي الأهلي يوم الاثنين 22 يوليو 1985.

طالع الحلقة الأولى

طالع الحلقة الثانية

كانت استقالة محمود الجوهري مفاجأة كبيرة لحسن حمدي عضو مجلس الإدارة والمشرف على الكرة حينذاك، خاصة أنها تضمنت زعم الجوهري وجود عراقيل تحول دون إمكانية استمراره في عمله، كما تضمنت شروطاً مستحيلة للعودة لتدريب الفريق الأول، فقد اشترط الجوهري أن يتولى بنفسه كل الشئون الفنية والإدارية، بمعنى أنه لا يريد هاني مصطفى مديراً للكرة، ولا حسن حمدي عضو مجلس الإدارة مشرفاً على الكرة، على أن يحاسبه المجلس في نهاية الموسم، وهو ما يعد تدخلاً أصيلاً في حق من حقوق مجلس إدارة النادي والتي قبل محمود الجوهري العمل من خلالها، ولو كان رافضاً لقرارات المجلس الإدارية فكان عليه أن يرفض تولي المهمة من الأساس.

علم حسن حمدي باستقالة الجوهري من محمود محرم مدير عام النادي، فذهب للنادي ليقابل الجوهري لكنه لم يحضر، ومباراة دور الثمانية مع الزمالك في بطولة كأس مصر على الأبواب، فقرر حسن حمدي بصفته المفوض بالإشراف على كرة القدم من قبل مجلس الإدارة أن يحسم الأمور، فاجتمع مع اللاعبين وأخطرهم باستقالة الجوهري، وأنه إلى أن يجتمع مجلس الإدارة لبحث الأمر بعد يومين فسيقوم هاني مصطفى مدير الكرة بتولي مسئولية الإدارة الفنية على أن يقوم حسن حمدي بأعمال مدير الكرة.

انزعج اللاعبون من استقالة الجوهري واتجهوا إليه في منزله ليتعرفوا على أسباب الاستقالة ويطالبوه بالاستمرار في مهمته، وفور علم محمود الجوهري بقرارات حسن حمدي بادر بتصعيد الأزمة فاتصل بالصحف، وأبلغها باستقالته وأعلن عن الأسباب التي دعته للاستقالة مضيفاً على ما كتبه في استقالته الموجهة لمجلس الإدارة أسباباً جديدة، فقد قال للصحف:

- إن نصف مجلس الإدارة بما فيهم صالح سليم رئيس النادي كانوا ضد تعيينه مدرباً عاماً.

- صحيح أنه هو الذي طلب تعيين مدير للكرة يحمل عنه عبء الأمور الإدارية، لكنه الآن يرى أن وجود مدير للكرة يمثل عامل إعاقة لعمله وليس عامل مساعدة، لهذا فهو لا يريد معه مديراً للكرة.

- إن إشراف حسن حمدي على الكرة المقصود منه أن يساعد الجوهري في الأمور التي تخرج عن اختصاصه، ولهذا فإن حسن حمدي أخطأ بالاستفسار منه عن برنامج المباريات التجريبية إستعداداً لمباراة الزمالك.

- إن إعداد وتطوير أرضية ملعب التيتش قد تأخر عن الموعد المحدد، وقد ترتب على ذلك أن تدرب الفريق على ملعب خارج النادي وهو ملعب إتحاد الشرطة مما يقلل من تركيز اللاعبين.

- هناك من ضايقهم لأن يعود الجوهري لتدريب الأهلي بناء على طلب اللاعبين والجمهور، ولهذا يريدون أن يفشل الجوهري أو يطفش.

وهكذا خرج الجوهري بالأزمة وفجرها محاولاً صناعة ضغوط إعلامية وجماهيرية على مجلس إدارة النادي، وكان خطأً كبيراً أن يقوم الجوهري بالاتصال بوسائل الإعلام ويعرض عليها شكواه قبل أن يعرض هذه الشكوى على مجلس الإدارة، فلم تكن ساحة الإعلام يوماً ساحة لمناقشة مشاكل الأهلي، وما قام به الجوهري يتنافى مع تقاليد الأهلي عبر تاريخه، ثم أنه استقال وأرسل استقالته للنادي، فلماذا التصعيد الإعلامي؟.

جاء اجتماع مجلس إدارة النادي الأهلي يوم الأربعاء 24 يوليو 1985 عاصفاً، ولم يستدعي محمود الجوهري لمناقشته في قرار الاستقالة بعد أن شرح قراره ومشاكله كاملة للصحف التي سجلت كل ما قاله على شرائط تسجيل، وقرر المجلس بالإجماع قبول استقالة الجوهري وتعيين هاني مصطفى مدرباً عاماً وتكليف حسن حمدي عضو مجلس الإدارة بالقيام بعمل مدير الكرة، وأصدر المجلس بياناً وزعه على كافة الصحف جاء فيه:

إن آخر ما كان يتوقعه مجلس إدارة النادي الأهلي أن يتقدم الكابتن محمود الجوهري باستقالته في هذا التوقيت الحساس والحرج وبهذه الصورة التى تتنافى مع قيم وتقاليد النادي الأهلي الذي نشأ بين أحضانه لاعباً ومدرباً، ويهم المجلس أن يوضح النقاط التالية:

1-   كان تعيين الكابتن محمود الجوهري مدرباً عاماً للنادي بإجماع أراء أعضاء مجلس الإدارة وتكليف السيد حسن حمدي عضو المجلس - الذي كان متحمساً لتعيينه - بالاتصال به والاتفاق المبدئي معه.

2-   بعد تكليف السيد حسن حمدي بالإشراف على الكرة ثم اختيار الجهاز الفني والإداري بناء على رغبة الكابتن محمود الجوهري شخصياً وهو صاحب فكرة تعيين مدير للكرة، حتى يتفرغ هو للنواحي الفنية.

3-   يؤكد المجلس أنه لم يحدث على الإطلاق أن تدخل حسن حمدي في الشئون الفنية للكابتن محمود الجوهري إذا لم يلتقي الاثنان لظروف سفر كليهما للخارج وحتى الآن، وخاصة أن السيد حسن حمدي ليست له أي سلطات يخولها له موقعة كمشرف على الكرة.

4-   المؤسف أن الكابتن الجوهري استخدم لغة التهديد بالاستقالة وقدمها أكثر من مرة متحدياً بها قرارات مجلس الإدارة ولو كان هناك أي موقف مضاد له من قبل المجلس لكان المجلس قبل الاستقالة من أول مرة.

5-   لم يقتصر موقف الكابتن الجوهري على تقديم الاستقالة بل تجاوزها إلى محاولة استعداء بعض اللاعبين بدعوى أن المجلس يتخذ موقفاً عدائياً منهم وهو ما لا يمكن أن يخطر على الإطلاق بذهن أي من أعضاء المجلس.

6-   الادعاء بأن إدارة النادي وضعت العراقيل أمام الكابتن الجوهري بتأخير إصلاح الملعب لا أساس له من الصحة بل أن العمل القيم الذي تم لتحويل ري الملعب وزراعته إلى أحدث الطرق العلمية جارى تنفيذه وأوشك على الانتهاء في مدة تعتبر قياسية بالنسبة لضخامة هذا العمل الضخم مكلفاً النادي أكثر من ستين ألف جنيه وذلك تمشياً مع رغبة الكابتن الجوهري، بل وبواسطة الفنيون الذي رشحهم هو شخصياً، وفى نفس الوقت تم تجهيز أكثر من ملعب لتدريب فرق الكرة المختلفة.

7-   لاحظ المجلس أن بعض البيانات التى ذكرها الكابتن الجوهري غير صحيحة، مثال ذلك أنه امتنع عن مباشرة تدريب الفريق منذ عودته من المانيا، بعكس ما ذكره للصحف.

8-   كان الأحرى بالكابتن الجوهري أن يتقدم بطلباته لمجلس الإدارة الذي هو أكثر حرصاً على مصلحة النادي من أي فرد بذاته، بدلاً من أن يقرأ أعضاء المجلس تفاصيل مطالبه في صفحات الجرائد.

9-   أخيراً لعل لكل ما سبق يوضح للجميع أن ما أقدم عليه الكابتن الجوهري لم يترك – بكل أسف – أمام المجلس خياراً سوى أن يقبل استقالته.

خرج بيان مجلس الإدارة للصحف، وخرج حسن حمدي ليوضح الأمور أكثر وأكثر لمندوبي الصحف الذين كانوا ينتظرون انتهاء اجتماع مجلس الإدارة، فأكد أنه لم يتوقع ما حدث، وأن كل ما برر به محمود الجوهري استقالته غير صحيح، فلم يتدخل أحد في اختصاصاته الفنية سواء هو نفسه أي حسن حمدي ولا أي عضو في مجلس الإدارة، وسؤاله للجوهري عن الاستعدادات لمباراة الزمالك في كأس مصر طبيعي بصفته المشرف على الكرة بناء على تفويض مجلس الإدارة، لكن الجوهري فاجأه بثورة عارمة قال له فيها أنه لا يقبل أي تدخل منه أو من غيره في عمله، وأضاف حسن حمدي إن مجلس الإدارة لم يكن منقسماً عند التصويت لاختيار الجوهري مدرباً للفريق ولو أن نصف مجلس الإدارة بما فيهم صالح سليم رئيس النادي كانوا ضد تعيينه مدرباً عاماً لرجحت كفة الجانب الذي فيه الرئيس طبقاً للوائح، وختم حسن حمدي إيضاحاته للصحف بأن الأهلي لا يخضع لضغوط أي لاعب أو مدرب، وأن هذه مبادئ تعلمناها من الراحل مختار التيتش، وسنظل نسير عليها ولن نقبل ضغوط اللاعبين حتى لو اضطر الأمر لأن يلعب الأهلي كل مبارياته بفريق من الشباب والناشئين، لأن المبادئ قبل البطولات.

لم تتوقف الأحداث عند هذا الحد، فقد اعتقد اللاعبون أن إدارة النادي هي المخطئة، وأن قبول استقالة الجوهري وتعيين مدرب جديد يعني أنهم حقل تجارب للمدربين، وأشاروا إلى أنهم لن يرضوا بتكرار تجربة الموسم السابق باختيار محمود السايس ليدرب الفريق بعد اعتذار دون ريفي وأبدوا عدم رضاهم عن تجربة السايس مع الفريق، فاتفق اللاعبون الكبار الستة عشر وهم "شريف عبد المنعم، محمد عامر، حسام البدري، مدحت رمضان، ماهر همام، خالد جاد الله، زكريا ناصف، مختار مختار، رمضان السيد، محمد حشيش، ضياء السيد، أسامة عرابي، هاني عبد اللطيف، أيمن شوقي، سمير فوزي، حمدي أبو راضي" مع الجوهري على الضغط بقوة لإعادته لتدريب الفريق، وأقاموا معسكراً تدريبياً بفندق السلام بمصر الجديدة، وتدربوا تحت إشراف الجوهري بنادي الشمس، ولم يلتفت اللاعبون الكبار لأي نصيحة قدمها لهم الناصحون.

في نفس الوقت، كان لاعبو الأهلي الدوليين العشرة وهم "إكرامي، ثابت البطل، أحمد شوبير، ربيع ياسين، محمود صالح، مجدي عبد الغني، علاء ميهوب، طاهر أبو زيد، مصطفى عبده، محمود الخطيب" مع منتخب مصر بالمغرب يستعدون لمباراة العودة مع منتخب المغرب في إطار تصفيات كأس العالم 1986 المقرر إقامتها بالمكسيك، وكان لقاء الذهاب قد انتهى بالقاهرة يوم 12 يوليو 1985 بالتعادل بدون أهداف، وقبل مباراة العودة بالمغرب والمحدد لها الأحد 28 يوليو علم اللاعبون الدوليون وهم في المغرب بما جرى بالقاهرة فأرسلوا بياناً يؤيدون فيه زملائهم الستة عشرة ومدربهم محمود الجوهري، على الرغم من أنهم لا يعلمون أي شيء عن الأزمة من بعيد أو قريب.

وجدير بالذكر أن مباراة منتخب مصر مع نظيره المغربي انتهت بفوز المنتخب المغربي بهدفين نظيفين سجلهما محمد تيمومي وعزيز بودربالة، وأضاع جمال عبد الحميد ضربة جزاء لمنتخب مصر قبل هدف المغرب الأول، وخرج منتخب مصر من الجولة قبل الأخيرة للتصفيات.

كان الأمر غريباًَ، ماذا يريد محمود الجوهري، هل راهن على ثورة جماهيرية ضد مجلس إدارة النادي الأهلي؟، هل راهن على ضغط إعلامي يجعل مجلس الإدارة يتراجع عن قراراته؟، هل راهن على خضوع مجلس الإدارة لطلباته ومعه كبار اللاعبين نظراً لاقتراب مباراة دور الثمانية في بطولة كأس مصر مع نادي الزمالك والمقرر إقامتها في الرابع من أغسطس 1985 أي بعد أيام قليلة؟.

ومنذ متى والنادي الأهلي يخضع لأي لاعب أو مدرب؟، منذ متى تتحكم الصحافة في قرارات مجلس الإدارة؟، منذ متى تتحكم الجماهير في قرارات الإدارة؟، جماهير النادي الأهلي الواعية دائما ما تؤيد قرارات مجلس إدارة النادي الأهلي التي تلتزم بتقاليد ومبادئ حافظت للأهلي عبر تاريخه على قوته وتماسك بنيانه.

كيف غاب كل هذا عن اللاعبين الكبار الستة عشر؟، بل كيف غاب هذا عن مدربهم محمود الجوهري الذي لقب بالتيتش الصغير للشبه الكبير بينه وبين محمود مختار التيتش؟، ليس هذا فقط بل إن الجوهري تتلمذ على يديه وهو لاعب.

حسن حمدي الذي لم يعاصر مختار التيتش يتحدث عن مبادئ تعلمها عن طريق السماع نقلاً عن الرائد مختار التيتش، أما من لعب الكرة تحت إدارة مختار التيتش يخالف هذه المبادئ، التيتش الصغير لم يتعلم شيئاً من التيتش الكبير، ولا من تاريخ النادي الأهلي.

ففي عام 1928 قرر النادي الأهلي، إيقاف حسين حجازي أعظم لاعبي الكرة المصرية في عصره، لمدة ثلاثة شهور، بسبب مسئوليته عن عدم قيام لاعبي الفريق بتسلم ميداليات المركز الثاني من مندوب الملك بصفته كابتن الفريق، في نهائي مباراة الكأس السلطانية والتي خسرها الأهلي أمام الترسانة.

وتم إبلاغ هذا القرار إلى الاتحاد المصري لكرة القدم، وبعد أيام، طلب الإتحاد من الأهلي رفع الإيقاف عن حسين حجازي ليشارك مع منتخب مصر في الدورة الأوليمبية بأمستردام 1928، فرفض الأهلي هذا الطلب، وقال جعفر باشا والي مقولته الخالدة "الأخلاق قبل البطولة".

لم يشارك حسين حجازي كابتن الأهلي ومصر مع المنتخب المصري الأولمبياد، وفازت مصر بالمركز الرابع كأول إنجاز مصري عالمي في تاريخ الكرة المصرية، وانتصرت الأخلاق وانتصرت البطولة.

قبلها في عام 1918، وكما تحدثنا في الحلقة الأولى، تقدم ستة لاعبين من الفريق الأول الذي يستعد لبطولة كأس السلطان حسين بطلب لإدارة النادي للاستقالة من النادي، وشعرت إدارة النادي أن الاستقالة غرضها الانتقال للعب لنادي آخر في نفس البطولة، وكان بإمكانها رفض الاستقالة وهذا من حقها، إلا أنها قررت قبول الاستقالة الجماعية منهم مع حرمانهم من دخول النادي لمدة عام، قبل أن تقبل إدارة النادي الاعتذار المكتوب من أربع منهم وترفع العقوبة.

ومع تصاعد الأحداث كان لابد من قرار، فقد استنفذت إدارة الأهلي السبل، ورفض اللاعبون الستة عشر الالتزام بقرارات مجلس الإدارة، ورفضوا الاستماع لصوت العقل عندما تدخل العديد من كبار محبي النادي ليقنعوا اللاعبين بالعودة لناديهم، فقرر مجلس الإدارة إعطائهم مهلة أخيرة ليعودوا لصوابهم إلا أن اللاعبين استمروا في تمردهم وتدريباتهم بعيداً عن النادي وتحت قيادة مدرب مستقيل.

أعطى حسن حمدي المفوض من مجلس الإدارة بالإشراف على كرة القدم اللاعبين المتمردين مهلة 48 ساعة لإنهاء التمرد وإلا سيلعب مباراة الزمالك في بطولة كأس مصر بالناشئين، ويوقف اللاعبين المتمردين، وانتهت المهلة دون أن يعود اللاعبون لصوابهم، فأصدر حسن حمدي قراراً حاسماً يوم 29 يوليو جاء فيه:

"من مبدأ المحافظة على مبادئ وقيم النادي الأهلي الذي تربيت داخل جدرانه وعلى ملاعبه شبلاً صغيراً ولاعباً ومديراً للكرة وعضواً بمجلس الإدارة، وحفاظاً على أخلاقيات أكبر مؤسسة تربوية ورياضية في مصر، وبعد أن استنفذت جميع الحلول المطروحة لتسوية تمرد اللاعبين على ناديهم، وكذلك الاستقالة المفتعلة للمدرب العام والتي تفجرت في وقت حرج للغاية، واحتوائه لتمرد اللاعبين على ناديهم، لكل هذه الأسباب، تقرر إيقاف الستة عشر لاعباً الذين شاركوا في التمرد لمدة شهر اعتباراً من الاثنين 29 يوليو، بالإضافة إلى رفع مذكرة لمجلس الإدارة للموافقة على شطب سبعة لاعبين من الستة عشر الموقوفين".

كان قرار حسن حمدي صاعقاً، فماذا حدث بعد ذلك؟، وما هي تداعيات القرار؟، هذا ما سنعرفه في الحلقة الرابعة والأخيرة.

 

لاعب ذو صلة