أهلي المبادئ منتصر دائماً... أزمة 1985 الأكبر في تاريخ الأهلي "الحلقه الاولى"

أهلي المبادئ منتصر دائماً... أزمة 1985 الأكبر في تاريخ الأهلي "الحلقه الاولى"

عبر مائة سنة وأكثر من عمر النادي الأهلي، مر النادي العريق بسنوات شهدت كثير من الشهد، قليل من الدموع، سنوات طويلة شهدت مئات الانتصارات المدوية وقليل من الانكسارات، ورغم سيطرة الأهلي شبه الدائمة على البطولات في مصر، ودخوله المعترك الأفريقي ثم العالمي ليصبح سيداً لأفريقيا ومتصدراً لأنديتها في كم البطولات التي نالها، وفوزه بلقب نادي القرن، ثم حصوله على برونزية كأس العالم للأندية 2006، فلم تكن بطولات الأهلي هي السبب الرئيسي في شعبيته.

شعبية الأهلي نبعت من نشأته الوطنية، فالأهلي أسس على يدي وطنيين أحرار أرادوا أن يكون ناديهم ملتقى لمحبي مصر وثواره، كبر ونما على أسس تربوية أخلاقية وضعها مؤسسوه وسار عليها قادته، على رأسها شعار طبقه الأهلي على أرض الواقع عبر سنواته الطويلة هو "الأخلاق قبل البطولة"، على هذا الشعار وغيره من الأسس سار الأهلي، ولهذا ورغم مرور النادي الأهلي بالكثير من الأزمات، كان يستطيع تخطيها بتغليب المبادئ والأخلاقيات ومصلحة الأهلي على ما عداه، ولهذا عاش الأهلي نموذجاً فريداً يشار إليه بالبنان، يتمنى منافسوه أن تكون أنديتهم مثله، فقوة الكيان تقاس بقوته على تخطي الأزمات، ولا تقاس أبداً القوة في الرخاء، ودائماً ما يثبت الأهلي قدرته على تخطي صعاب وأزمات كانت سبباً في سقوط منافسيه.

والجميل أن الأزمات التي مر بها الأهلي عبر تاريخه كانت تحمل في طياتها الكثير من الدروس والعبر لمن يريد أن يتعلم ويعتبر، فإن كان مهماً أن تتخطى الأزمات، فالأهم أن تتعلم منها، لهذا نفتح سوياً سجل تاريخ النادي الأهلي لنتحدث عن أحد أكبر الأزمات في تاريخه لنتعلم منها، ونعرف كيف تخطاها الأهلي لنفخر أيضاً بأهلي القيم والمبادئ والأخلاقيات، فكما نتحدث عن تاريخ انتصارات الأهلي بفخر لنسعد بتاريخ نادينا العريق، من المهم أن نتحدث عن الأزمات التي مر بها ونفتح أوراقها، ففي انتصارات الأهلي فخر كبير، وفي كيفية علاجه لأزماته الفخر الأكبر.

عندما حدثت أزمة حسام غالي مع مانويل جوزيه، وعندما تحدث أي أزمة شبيهة لها مثل أزمات شادي محمد والحضري مع مانويل جوزيه، والتوءم حسن مع الألماني راينر تسوبيل، وغيرها من الأزمات، أتذكر فوراً مواقف إدارة الأهلي في الأزمات، خاصة عندما أجد تعاطفاً مع اللاعب ضد مدربه، أو تعاطف مع أي فرد من الجهازين الفني والإداري في موقف له مع مجلس إدارة النادي، فدائماُ ما أميل إلى احترام القيادة، خاصة عندما تكون القيادة ناجحة في أدارتها للأمور، لهذا قررت أن أعود للخلف قليلا لأذكر جماهير الأهلي بمواقف عديدة تعلو بالمجموعة على الفرد، وتكرس مفاهيم عديدة كانت سبباً في نجاح الأهلي عبر تاريخه الطويل.

كانت أزمة تمرد ستة عشر لاعباً من الفريق الأول لكرة القدم عام 1985 ومساندة ثمانية آخرين لهم من الدوليين الموجودين بمعسكر المنتخب القومي الموجود بالمغرب، واحدة من أكبر الأزمات التي مر بها الأهلي عبر تاريخه، هذا التمرد الذي قاده مدرب الفريق وقتها محمود الجوهري.

لم يكن هذا التمرد هو الأول في تاريخ الأهلي بل حدث قبله تمرد مماثل عام 1918، عندما تقدم ستة لاعبين من الفريق الأول الذي يستعد لبطولة كأس السلطان حسين وهم "محمد أفندي شكري وكامل أفندي طه وحسن أفندي الصعيدي ورياض أفندي شوقي وعباس أفندي صفوت وعبد الحكيم أفندي على" بطلب لإدارة النادي بقصد الاستقالة من النادي، وشعرت إدارة النادي أن الاستقالة غرضها الانتقال للعب لنادي آخر في نفس البطولة، وكان بإمكانها رفض الاستقالة، إلا أنها قررت قبول الاستقالة الجماعية منهم مع حرمانهم من دخول النادي لعام ميلادي كامل، قبل أن تقبل إدارة النادي وقتها التراجع المكتوب من الأربعة الأوائل، وتقبل تواجدهم بفريق الكرة.

وهكذا الأهلي، يرفض لي الذراع، يرفض الانصياع والخنوع لأي فرد فيه، فالغلبة دائماً وأبداً للمجموع، الغلبة لصالح النادي، ولهذا ظلت مصلحة الأهلي فوق مصالح جميع أفراده.

عام 1918 وبعد تأسيس الأهلي بأحد عشر عاماً كان هذا موقفه من تمرد لستة لاعبين، فماذا كان موقف الأهلي بعد ثمانية وسبعين عاماً من تأسيسه، وبعد سبع وستون عاماً من التمرد الأول؟، هل تغير الأهلي ومبادئه؟، هل كان اضعف من ذي قبل؟، أم كان رده على التمرد أقوى وأعنف؟، في 1918 وافقت الإدارة على قبول الاستقالات رغم أن الفريق مقدم على بطولة قوية، لكنها فضلت المبادئ والأخلاقيات على البطولة، فهل فكرت إدارة الأهلي عام 1985 في البطولة قبل المبادئ؟، أم أن الإرث التاريخي الطويل كان الحاكم في قراراتها وفضلت المبادئ على البطولة؟.

نعود معاً لنهاية موسم 1984/1985 وبالتحديد في نهاية الموسم لنعيش في أجواء ما قبل الأزمة، ونتعرف على تفاصيلها.

نحن الآن في أواخر مايو 1985، يدير النادي الأهلي مجلس إدارة بقيادة الكابتن الراحل صالح سليم ومعه الراحل أ. كمال الدين حافظ وكيلاً للنادي، أ. أحمد زكي عبد الهادي أميناً للصندوق، وكل من كابتن عادل هيكل، د. السيد سالم، كابتن. محرم الراغب، أ. حمدي الكنيسي، كابتن حسن حمدي، لواء عبد الحميد عبد السميع، المهندس عبد المنعم عطية أعضاء لمجلس الإدارة.

ويرأس الجهاز الفني لفريق كرة القدم بالنادي الأهلي كابتن محمود السايس الذي حمله مجلس الإدارة مسئولية فريق الكرة في الثامن من نوفمبر 1984، بعد أن اعتذر المدير الفني الإنجليزي دون ريفي عن استكمال مهمته لظروف تخص مرض زوجته، في هذا الوقت كان النادي الأهلي متصدراً لبطولة الدوري برصيد ثمانية نقاط بعد مرور الأسابيع الأربعة الأولى من البطولة "الفوز في مباراة بنقطتين في ذلك الوقت وليس بثلاثة كما هو الحال الآن"، ووصل لنهائي كأس أفريقيا للأندية أبطال الكئوس للمرة الأولى في تاريخه وفي أول مشاركة بها في تاريخه.

كان الوضع حرجاً للغاية، فالأهلي يريد أن يستعيد بطولة الدوري الغائبة، ففي الموسمين السابقين لهذا الموسم خسر الأهلي بطولته المفضلة، فاز المقاولون العرب ببطولة الدوري موسم 1982/1983، ثم فاز الزمالك بالبطولة في الموسم التالي 1983/1984، ودرع الدوري اشتاق لمكانه الوثير الذي لا يرتاح إلا فيه وهو دولاب البطولات بالنادي الأهلي، والمدير الفني الإنجليزي يعتذر لظروف طارئة عن استكمال المهمة.

لكن محمود السايس قبل المهمة الصعبة، وأكمل مسيرة دون ريفي بنجاح، ففاز مع الأهلي بكأس أفريقيا للأندية أبطال الكئوس 1984 بعد الفوز في الدور النهائي على كانون ياوندي الكاميروني، ووصل بالفريق لدور الثمانية في بطولة كأس مصر بعد الفوز على طنطا بخمسة أهداف نظيفة، وأخيراً تمكن من الفوز ببطولة الدوري قبل نهاية المسابقة بثلاثة أسابيع.

انتهى الدوري يوم الثلاثاء 28 مايو بفوز الأهلي باللقب، وإعادة درع الدوري إلى دولاب البطولات بعد غياب موسمين، كما وصل فريق النادي الأهلي لدور الثمانية ببطولة كأس أفريقيا للأندية أبطال الكئوس 1985، وذلك بعد تخطي مستقبل المرسى التونسي في دور الـ 32، ثم سيمبا التنزاني في دور الستة عشر للبطولة، لتصل نسبة إنجازاته على مستوى البطولات لمائة في المائة من النجاح في كل البطولات التي خاضها في هذا الموسم بما فيها جميع البطولات التي خاضها فريق الشباب تحت 21 ستة والذي كان مدرب الفريق الأول وقتها مشرفاً عليه، وتبقى من الموسم بطولة الكأس التي تم تأجيل  أدوارها بداية من دور الثمانية إلى ما قبل بداية الموسم الكروي الجديد لظروف استعدادات منتخب مصر لملاقاة منتخب المغرب في إطار تصفيات كأس العالم 1986، وكان يدرب المنتخب القومي في ذلك الوقت الراحل محمد عبده صالح الوحش الذي تولى منصب الرئاسة لمجلس إدارة النادي الأهلي بعد ذلك في 1988 ومعه كل من فؤاد شعبان مدرباً وفتحي نصير مدرباً مساعداً وحسن مختار مدرباً لحراس المرمى وخطاب عمر خطاب طبيباً وزامر عزت إداريا.

وكانت للسايس بادرة شجاعة حين ألمت الإصابات بالفريق، فقد بلغ عدد المصابين في أحد المرات أحد عشر لاعباً من لاعبي الفريق الأول، فدفع بكل من محمد السيد وشمس حامد وعاطف القباني وحسام حسن ومحمد عبد العزيز "زيزو" وحمادة مرزوق وبدر رجب وإبراهيم حسن وهاني عبد اللطيف في مباريات عديدة خلال الموسم وكلهم من شباب فريقي تحت 19 و21 بالنادي الأهلي.

في اليوم التالي لنهاية الموسم فاجأ محمود السايس إدارة النادي بتقديم استقالته من تدريب قطاع الفريق الأول، والذي يضم الفريق الأول وفريق الشباب، واجتمع مجلس الإدارة في 31 مايو 1985 ليناقش الاستقالة التي قدمها السايس في خطاب قال فيه:

"بعد أطيب التحية..

في 8 نوفمبر 1984 تحملت مسئولية جهاز كرة القدم بعد رحيل مستر دون ريفي المفاجئ، وبذلت كل جهدي لأحقق مبادئ وأهداف النادي الأهلي، وقد وفقت والحمد لله في ذلك، رغم صعوبة ودقة الموقف الذي تحملت فيه المسئولية، وفي أول إبريل 1985 تقدمت باستقالتي للكابتن صالح سليم رئيس النادي وذلك لتكون لدى النادي الفرصة الكاملة لتحديد من يتحمل مسئولية الجهاز الموسم القادم، وها أنذا أتقدم باستقالتي بعد أن أكملت كل مباريات الموسم، وبحمد الله تم تحقيق كل البطولات المحلية والأفريقية والناشئين، وأنا على ثقة بأن مجلسكم الموقر قادر على اختيار من يكون مناسباً لرئاسة جهاز كرة القدم الموسم القادم.

وتقبلوا أطيب تمنياتي القلبية بكل المجد والرفعة والخير لنادينا الحبيب".

وأصدر مجلس الإدارة بياناً جاء فيه:

"ناقش مجلس الإدارة الاستقالة المقدمة من المهندس محمود محمد السايس المدير الفني لكرة القدم والتي أصر فيها على ترك موقعه في رئاسة جهاز الكرة بالنادي.

وقد رأى المجلس التمسك به نظراً لما حققه من نجاح كامل في كافة البطولات التي اشترك فيها، فتمكن النادي من الفوز بكأس أفريقيا للأندية أبطال الكئوس، واستعاد بطولة الدوري العام قبل أن ينتهي الموسم بثلاثة أسابيع، وما زال الفريق مستمراً في بطولتي كأس مصر والكأس الأفريقية للأندية، بالإضافة إلى نجاح فرق الناشئين بالنادي في الفوز بجميع بطولات المراحل السنية المختلفة على مستوى الجمهورية ومستوى منطقة القاهرة، كل هذا مع تميز الكابتن السايس في النواحي التنظيمية والإدارية والفنية.

إزاء كل هذا التفوق كان تمسك مجلس إدارة النادي بالكابتن محمود السايس ليستمر في أداء رسالته في النادي الذي نشأ فيه، إلا أنه أصر على الاستقالة، فلم يكن أمام المجلس إلا قبولها امتثالاً لطلبه مع توجيه كل الشكر والتقدير إليه.

كما قرر المجلس تكريم الكابتن السايس على كل ما قدمه للنادي الأهلي، راجياً له كل التوفيق في كل ما يسند إليه من مهام".

 وقرر مجلس الإدارة في نفس الجلسة التعاقد مع الكابتن محمود الجوهري ليكون مدرباً عاماً لكرة القدم بالنادي، وإسناد مهمة الإشراف على الكرة للكابتن حسن حمدي عضو مجلس الإدارة مع تكليفه بإعادة تشكيل الجهاز الفني والإداري والمالي للكرة وعرض مقترحاته على مجلس الإدارة في اجتماعه القادم.

وبالفعل وافق محمود الجوهري على قبول المهمة وطلب من نادي الشارقة الإماراتي الذي يدربه أن يكتفي بما قدمه ليعود لتدريب النادي الأهلي للمرة الثانية، فق سبق له تدريب الأهلي في موسمي 1982/1983، 1983/1984، وهما الموسمان اللذان سبقا موسم استقالة السايس.

وفي اجتماع مجلس الإدارة الذي عقد يوم الاثنين 10 يونيو 1985 وافق مجلس الإدارة على مقترحات الكابتن حسن حمدي لتشكيل جهاز كرة القدم بالنادي والتي قسمت جهاز كرة القدم إلى ثلاثة قطاعات تحت إشرافه، هي قطاع الفريق الأول وقطاع الناشئين وقطاع الأشبال، وضم قطاع الفريق الأول معه فريق تحت 20 سنة وتكون القطاع من كل من:

هاني مصطفى مديراً للكرة، محمود الجوهري مدرب عام، المفتي إبراهيم مساعد المدرب العام، فتحي مبروك مساعد المدرب العام، حازم كرم مساعد المدرب العام لحراس المرمى، عزيز مبروك مساعد مدير الكرة، حسن جعفر وعبد الله عيد إداريان، عادل طعيمة مدرباَ لفريق تحت 20 سنة، عدلي الوراق إداريا لفريق تحت 20 سنة، بجانب الجهاز الطبي للقطاع.

تولى الجهاز الفني الجديد مهمته، وكانت لمحمود الجوهري عدة طلبات أهمها إعداد لائحة جديدة للاعبين لأن اللائحة القديمة مر عليها وقت طويل ولا تناسب من ناحية الثواب والعقاب تغيرات الحياة حالياً مادياً أو معنوياً، كما طلب الجوهري أن يتم تطوير ملعب الكرة بالتيتش ليكون الري بالنظام الأوتوماتيكي.

وبالفعل قام مجلس الإدارة بعمل لوائح لعموم الأجهزة في كل القطاعات الخاصة بكرة القدم إضافة إلى تعديل لوائح اللاعبين، تنظم هذه اللوائح العمل وتحدد الاختصاصات بشكل رائع، كما اعتمد مجلس الإدارة الأموال اللازمة لتطوير ملعب الكرة الرئيسي باستاد التيتش، وبدأت الأجهزة الفنية مهمتها في الإعداد لسفر فريقي قطاع الفريق الأول لألمانيا استعدادا للموسم الجديد، وبالفعل سافر فريق تحت الشباب في 23 يونيو 1985 إلى مدينة شتارنبرج بجهازه الفني وكان محرم الراغب عضو مجلس الإدارة رئيساً للبعثة.

وفي 29 يونيو سافر الفريق الأول إلى مدينة بريمن ليبدأ معسكره الذي يضم ستة عشر لاعباً فقط من الفريق الأول ومعهم عشرة لاعبين ممن تخطوا سن الشباب ومرشحين للانضمام للفريق الأول، بينما بقي بالقاهرة باقي عناصر الفريق الأول العشرة الذين انضموا للمنتخب إستعداداً لملاقاة منتخب المغرب في إطار تصفيات كأس العالم 1986، وهم: إكرامي وثابت البطل وأحمد شوبير ومحمود صالح وربيع ياسين وعلاء ميهوب ومجدي عبد الغني ومصطفى عبده ومحمود الخطيب وطاهر أبو زيد.

هذه كانت أجواء ما قبل أزمة 1985، فماذا عن تفاصيلها؟، من أبطالها وما هو السبب الحقيقي لها؟، هذا ما سنعرفه في الحلقة الثانية.

 

لاعب ذو صلة

X