اللي بنى مصر كان في الأصل أهلاوي... "الحلقة الأولى"



على مدى التاريخ.. كان الرجال هم صناع التاريخ، هم أبطال الأحداث العظام وليس العكس، لم يكونوا أبدا مجرد ردود أفعال، بل كانوا دوما هم المبادرون، سبقوا الزمن بفكرهم، ورأوا بجلاء ما لم يراه الباقون، شاركوا في تطوير مجتمعاتهم نحو الأفضل، ودفعوا ببلادهم نحو التقدم والرقي بإصرار وثبات، برغم الاحتلال الجاثم على الصدور.

 

والأهم أنهم كانوا دوما القدوة والمثل، وتركوا ورائهم تركة هى ثروة عظيمة لا تقدر بمال، أجيالاً من الرجال الذين ساروا على دربهم وتسلموا مسئولية المستقبل منهم وحملوا مشعل التقدم والحرية من قدوتهم، رموز الوطنية المصرية.

 

لذا فلقد ظهر في مصر في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.. رجالات كان همهم الأول المصلحة الوطنية وحرية مصر، أسسوا لقواعد مجد شامخة، اجتمعوا في أحد الأيام ليؤسسوا نادياً يجمع شباب الأمة ويبنيهم.. فكان النادي الأهلي.

 

ولهذا.. ولأن الأهلي نشأ على يد رجال من صناع تاريخ الوطن، أصبح الأهلي وطناً لصناع تاريخ مصر الحديث، وصانعي رجالاتها العظام، فالأهلي.. حكاية من أهم حكايات الوطن.. حكاية وطن صغير.

 

فتاريخ إنشاء الأهلي ارتبط بالتاريخ الحديث لمصر وكان جزء من حركة هذا التاريخ، هذا النادى الذي وُلد فى ظل الاحتلال البريطانى لكى يقاومه وُلد من رحم الحركة الوطنية المصرية التي هبت ضد الاحتلال البريطاني لمصر، ولهذا وقبل الحديث عن تأسيس النادي الأهلي يجب أن نتحدث عن مصر، وكيف كانت مصر وقت تأسيس النادي الأهلي.

مصر عند تأسيس النادي الأهلي

 

كانت مصر عبر تاريخها الطويل مطمعاً لغزوات استعمارية لموقعها الجغرافي المتميز وكونها الرابط بين المغرب والمشرق العربي، وكثيراً ما عانت مصر من غزوات تتارية وصليبية، لكنها كانت سرعان ما تصدها وتعيدها لبلادها مهزومة مكللة بالخزي والعار، وفي العصر الحديث تعرضت مصر لاحتلال فرنسي لم يستمر إلا ثلاثة سنوات، وكان الاحتلال الفرنسي في ذهن نابليون الذي يريد بناء امبراطورية تصل فرنسا بالشرق، فمصر هي مفتاح المنطقة وهي الحاجز المنيع الذي يحميها بإمكاناتها البشرية ومكانتها الثقافية والحضارية كقلعة من أهم قلاع الدفاع عن العالم الإسلامي، لموقعها الجغرافي المتميز ولشعبها الحر.

 

خرج الفرنسيون من مصر مدحورين، لكن الحملة الفرنسية فتحت على مصر باب المتاعب والاستعمار، فقد لفتت أنظار الإنجليز إلى أهمية مصر فقرروا تكرار المحاولة من خلال  حملة انجليزية بقيادة فريزر دحرها الشعب المصري وبرز اسم محمد كريم كقائد وطني مصري من طين الأرض الطيبة.

 

ثم جاء محمد علي الجندي الألباني غرق عشقا فى حبها، وحكم مصر وبدأ فى بناء مصر الحديثة وشعرت الدول الأوروبية بتنامى قوة فى الشرق اسمها مصر وربما تقارعهم وتسابقهم فى القوة في ظل ضعف الدولة العثمانية فتكتلت عليها الدول الاوروبية وفرضت عليها القيود لتحجيم قواها المتنامية، وورث أبناء محمد على الحكم  ومع ابنه سعيد بدأت إرهاصات التدخل الأجنبي في مصر.

 

منح سعيد لفرديناند ديليسبس حقوق حفر قناة السويس، لكن الشروط كانت مجحفة لمصر المحروسة، وجاء نجله الخديوي إسماعيل، الذى كان مولعاً بالحضارة الغربية، وأراد أن ينقلها لمصر، لكنه لم يستطع نقل إلا قشورها، وتجاهل جوهرها، وكان مسرفاً يصرف ببذخ شديد على أمور شكلية كبناء القصور والأثاثات الفخمة والحفلات التي يدعو اليها أصدقائه من الأجانب المقيمين في مصر.

 

واستطاع النفوذ الاستعماري استغلال إسماعيل في مرحلة ضعفه وديونه، لإيجاد المبرر للسيطرة على مصر من خلال الإيعاز للمرابين الأجانب لإقراضه ثم استنـزاف ثروة الأمة بالربا الفاحش وأعربوا عن قلقهم خوفا من عدم السداد، ففتحوا بذلك مجال لتدخل الأجانب في الأمور السياسية، وكان هذا التدخل سافراً عندما فرضت إنكلترا وفرنسا وزيرين في الوزارة المصرية، واحد بريطاني، وآخر فرنسي، وأعطيا مركزاً ممتازاً فيها، فأوجد ذلك مراقبة ثنائية إنجليزية أفرنسية، وترك إسماعيل حكم مصر بعد أن باع نصيب مصر من أسهم قناة السويس لبريطانيا بأربعة مليون جنيه مصري.

 

جاء الخديوي توفيق للحكم، استمر التدخل في شئون مصر، وبدأت انجلترا في افتعال مشاكل كثيرة لتكون ذريعة للتدخل العسكري في مصر، واقتربت بأساطيلها من سواحل الإسكندرية، تنتظر لحظة الوثوب على مصر.

 

وبدأ الوزيران الإنجليزي والفرنسي في رفض عرض ميزانية الدولة على مجلس النواب، وأصبحت مصر اقتصاديا تحت رحمة الأجانب، وكان لأتباعهما الدور الأكبر في مذبحة الإسكندرية التي افتعلوها للتدخل بحجة حماية الرعايا الأوروبيين في مصر وحماية ممتلكاتهم.

 

وبالفعل بدأ الإنجليز بضرب الإسكندرية ودمروا حصونها وقلاعها وبالتعاون مع ديليسبس خدعوا الجيش المصري بقيادة أحمد عرابي الذي لم ينتبه إلى خدعه الإنجليز وسقطت مصر في قبضة المحتل الغاصب، ومع الاحتلال الإنجليزي لمصر يبدأ المصريون طريق طويل من أجل تحرير الوطن وبناءه.

 

جاء الإنجليز إلى مصر، لتكون سلة الغذاء لتنعم بخيراتها بريطانيا العظمى، وحاولوا إيقاف أي توجه لمصر للتقدم في أي مجال خلاف الزراعة، ويرفضون أن تسير مصر فى طريق التصنيع كباقي البلدان الأوروبية، وكانت الشركات الصناعية نادرة وكلها تخدم المشروع الزراعي البريطاني في مصر كشركات غزل وحلج القطن، وكان اهتمام الانجليز منصب في المقام الأول لتطوير نظام الري المصري.

 

إلا أن مسيرة مصر التي بدأها محمد علي لتحديثها قد آتت ثمارها بعودة المصريين من البعثات الخارجية ودخول الأفكار والمفاهيم الجديدة لأبناء الشعب المصري، وولدت من رحم المصريين فكرتان، الأولى تنادى بالحرب وضرورة جلاء الإنجليز عن مصر قبل أي شيء، والثانية تنادي بضرورة بناء اقتصاد مصر ومشاركة الإنجليز في أي عمل يبني مصر ومحاولة بناء صناعة واقتصاد وتطوير تعليمي يبني حاضر مصر ويساعد على استقلالها، وكان هناك صراع كبير بين الفكرتين ولكن سارتا في خطين متوازيين.

 

كان طلعت باشا حرب على رأس من يرى قوة مصر في اقتصادها، ومعه آخرون ساعدوا في بناء اقتصاد مصري قوى، فكان صديقه مصطفى كامل على رأس المطالبين بتحرير مصر وطرق كل الأبواب فسافر لأوروبا وعرض قضية مصر وفضح الاستعمار البريطاني، وتوجه للداخل حيث ألهبت خطبه حماس المصريين والتف حوله طلبة المدارس العليا.

 

كانت الصحف تصدر في القاهرة والإسكندرية بانتظام وبتنوع كبير، وكان أشهرها الأهرام والهلال والمؤيد والمقطم والمحيط وكان عدد الإصدارات الصحفية يقارب الخمسين إصدارا باللغة العربية وبلغات الجاليات الأجنبية المقيمة في مصر، وكان ميدان باب الخلق هو المركز الرئيسي للصحافة المصرية في ذلك الوقت، وكان يوجد فيه أيضا مبنى دار الكتب.

 

كانت وسيلة الانتقال المنتشرة في ذلك الوقت هى "الحنطور" لكن دخول القطار لمصر في نهاية القرن التاسع عشر ربط شمال مصر بجنوبها، وجاء الترام ليربط أحياء القاهرة ببعضها البعض.

 

 كانت البورصة منتعشة بالقاهرة وفى الإسكندرية خاصة بورصة القطن، وكانت أغلب رؤوس الأموال أجنبية والبنوك أجنبية، وفي هذه الأثناء أنشأ الإنجليز البنك الأهلي وظهر لأول مرة الجنيه الورقي المصري عام 1899.

 

وعلى الرغم من اعتماد أهالي القاهرة فى شرب المياه على السقا إلا أن معظم مباني القاهرة كانت مضاءة بالكهرباء، وكانت منطقة العتبة الخضراء بما تضمه من مقاهي ثقافية ودار الأوبرا ومسرح الأزبكية تمثل أكبر مكان للتجمعات الثقافية بالقاهرة.

 

فكان يرتادها رموز الفكر والأدب والسياسة أمثال حافظ إبراهيم وإبراهيم المويلحي ومحمود واصف والشيخ عبد القادر المغربي والشيخ عبد الحميد الزهراوي وحفنى ناصف وكان يدير بعض ندواتهم دكتور عثمان باشا غالب مدير قصر العيني.

 

 لم تكن في مصر حينذاك أندية إلا للأجانب وبعض النوادى الاجتماعية للجاليات الأجنبية في مصر، ولم يكن بمصر رياضة بالمعنى المعروف الآن، ولكن كانت هناك منازلات في العاب القتال والمبارزة ولكن بصورة محدودة.

 

هكذا كانت مصر في بداية القرن العشرين، وهكذا كان المصريون يريدون تقدم مصر واستقلالها، وهنا ظهرت البذرة التي تسببت فيما بعد في ظهور النادي الأهلي، كيف كان ذلك؟.

 

مع استمرار الاحتلال الإنجليزي وما رافقه من مساوئ، ارتفعت الدعوات لمقاومة الاحتلال، وبدأت عقول وقلوب شباب الوطن تتفتح وتغضب ونبتت زهور الوطنية التي روتها خطب مصطفى كامل لتحرير الوطن، وفكر مصطفى كامل ورفاقه رجال الحزب الوطني في كيفية استثمار ورعاية النبتة الجديدة، وأجمعوا على أن الحل هو إنشاء نادي للمدارس العليا يجمع هؤلاء الطلبة في اتجاه تحقيق هدف واحد.

 

بدأ التفكير في إنشاء النادي في أكتوبر من سنة 1905م وتألفت لجنة تأسيسه برئاسة الدكتور عبد العزيز بك نظمي الأستاذ بمدرسة الطب، وبدأت اللجنة فى الاكتتاب لتوفير رأس مال بناء النادي وقامت جريدة اللواء بنشر الفكرة وتأييدها وأقيمت حفلات لجمع المال اللازم لتأسيسه.

 

كان نادي المدارس هو النواة لتأسيس النادي الأهلي، كيف كان ذلك؟، هذا ما سنعرفه في الحلقة القادمة.

 

صورة كارنيه لأحد أعضاء نادي طلبة المدارس العليا وهو أمين الرافعي شقيق المؤرخ الكبير عبد الرحمن الرافعي

 

لمتابعة الكاتب عبر الفيس بوك

لمتابعة الكاتب عبر تويتر

استطلاع الراى


رأيك في قرار إقالة مارتن لاسارتي؟
دوري أبطال أفريقيا - 2020