لم تكن نسخة كأس العالم 2026 مجرد حدث رياضي عابر، بل كانت منعطفاً تاريخياً قبل أن تبدأ ركلة البداية في ملاعب أمريكا الشمالية, ومع قرار الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) برفع عدد المنتخبات إلى 48، فتحت بوابة الأمل على مصراعيها أمام المنتخبات العربية التي طالما عانت من سابقًا من صعوبة الوصول للمونديال.
الآن، وبعد أن انتهت البطولة وأعلن البطل، يقف الشارع الرياضي في المنطقة العربية أمام لحظة الحقيقة لتقييم الحصاد: هل نجحت هذه القوى الكروية الصاعدة في استغلال "المونديال الموسع" لتحقيق قفزة نوعية نحو النخبة العالمية، أم أن زيادة المقاعد لم تكن سوى واجهة رقمية كشفت، في الأوقات الحرج، عن فجوة تكتيكية وبدنية عميقة مع عمالقة اللعبة؟
تاريخياً، كان الوصول إلى كأس العالم بمثابة إنجاز فريد يتطلب حسابات معقدة في التصفيات الإقليمية, لكن في عام 2026، تغيرت القواعد؛ إذ سجلت هذه النسخة حضوراً عربياً قياسياً وصل إلى 8 منتخبات دفعة واحدة: المغرب، مصر، الجزائر، تونس، السعودية، قطر، بالإضافة إلى الوجوه الجديدة أو العائدة بعد غياب طويل كالأردن والعراق.
هذا الحشد العددي منح المونديال نكهة خاصة في دور المجموعات، ولم يمر مرور الكرام. فقد شهدت الجولات الأولى انتفاضات كروية أثبتت أن زيادة العدد لا تعني بالضرورة ضعف الجودة.
دخل المنتخب المصري البطولة وهو يحمل على عاتقه إرثاً ثقيلاً؛ 92 عاماً من المشاركات المونديالية دون تحقيق فوز واحد في الوقت الأصلي منذ نسخة 1934, وجاءت مباراة نيوزيلندا لتكون نقطة التحول، حيث قدم الفراعنة عرضاً هجومياً قوياً وتغلبوا عليهم بنتيجة 3-1، وهو الفوز الذي لم يكن مجرد ثلاث نقاط، بل كان بمثابة تحرير نفسي للكرة المصرية عبّد لها الطريق نحو دور الـ 32.
أما المنتخب المغربي، فقد دخل البطولة وثقة "مربع ذهبي 2022" ترافقه, ولم يخيب الآمال في دور المجموعات، حيث فرض تعادلاً تكتيكياً صارماً على البرازيل بنتيجة 1-1، قبل أن يمطر شباك هايتي برباعية (4-2)، ليؤكد أن ما حدث في قطر لم يكن طفرة مؤقتة بل هوية كروية راسخة.
رغم الاحتفالات العارمة بالعبور الجماعي إلى الأدوار الإقصائية بفضل نظام البطولة الجديد (الذي يمنح الفرصة لأفضل ثوالث بالصعود)، إلا أن دخول مرحلة "خروج المغلوب" الصارمة كان بمثابة وضع المنظومة الفنية للعرب تحت المجهر الحقيقي, وهنا تباينت المصائر بشكل حاد: ففي الوقت الذي واصل فيه المنتخب المغربي زحفه نحو الكبار وبلغ ربع النهائي قبل أن توقفه الماكينات الفرنسية بخبرتها (2-0)، قدم المنتخب المصري مباراة دراماتيكية في دور الـ 16 أمام الأرجنتين خسروها بصعوبة بالغة (3-2) بعد أداء بدني وبطولي حظي بإشادة واسعة من المحللين الدوليين بالإضافة لتحيز تحكيمي واضح لصالح الأرجنتين.
في المقابل، ظهرت عيوب التخطيط في منتخبات أخرى؛ فالجزائر خسر في دور الـ 32 أمام انضباط سويسرا (2-0)، بينما غادرت تونس وقطر والسعودية والأردن والعراق من الباب الضيق لدور المجموعات وسط تساؤلات جماهيرية حادة عن سبب التراجع اللياقـي والذهني في الأوقات الحاسمة.
انعكست نتائج هذه الملحمة القارية مباشرة على جدول ترتيب الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في أول تحديث له بعد البطولة، وكشف التصنيف الجديد حجم الفوارق: فالمنتخب المغربي حافظ على موقعه الريادي مستقراً في المركز السادس عالمياً، ليؤمن مكانته كأفضل المنتخبات العربية في الفترة الأخيرة
بينما المنتخب المصري كان المستفيد الأكبر في المنطقة، حيث قفز 5 مراكز كاملة بفضل انتصاره التاريخي وأدائه الكبير في المونديال قبل خروجه أمام الأرجنتين بصعوبة، ليكون في المركز 24 عالمياً.
أما من الناحية الإستراتيجية والتسويقية، فكانت المشاركة قفزة هائلة للأمام؛ فقد منحت دولاً كالأردن والعراق فرصة الاحتكاك بمدارس عالمية ونقلت خبرات اللعب تحت الضغط الجماهيري المونديالي إلى جيل جديد من اللاعبين, كما أن استمرار المغرب في التواجد مع الثمانية الكبار، ومقارعة مصر للعملاق اللاتيني، يثبت أن قمة الهرم الكروي العربي بخير.
أما من الناحية الفنية العميقـة، فإن زيادة المقاعد قد تحول إلى "فرصة ضائعة" للمنتخبات التي اكتفت بفرحة الصعود, فالبطولة أثبتت أن فجوة "الرتم البدني" والتحول التكتيكي السريع لا تزال واسعة بين المنتخبات المتوسطة والمنتخبات الأوروبية أو اللاتينية.
إن نسخة 2026 لم تكن نهاية المطاف، بل هي جرس إنذار حقيقي, المقاعد في كأس العالم أصبحت متاحة بشكل أكبر، لكن البقاء للأقوى تكتيكياً وبدنياً، وهو ما يفرض على الاتحادات المحلية بدء العمل فوراً لنسخة 2030، والتحول من عقلية "شرف المشاركة الموسعة" إلى عقلية "المنافسة الحقيقية".